New Kush

History-تاريخ

2 Responses to "History-تاريخ"

أسبقية حضارة مروي ؛ بمناسبة ظهور “عالم الآلهة في مروي”

بصدور كتاب “عالم الآلهة في مروي ” تعود الضجة العلمية التي أثيرت حول أسبقية الحضارة الكوشية في مروية إلى الساحة من جديد .
كان الكتاب الذي صدر طبعته الأول عام 2000 بمعهد الدراسات الشرقية بأكاديمية العلوم الروسية محدود الانتشار سودانيا وذلك بحكم سيطرة اللاوعي المنشور والمعزز من قبل مركزية الدولة في السودان ؛ غير ان الكتاب يأتي في خضم التجاذبات الواسعة منذ النصف الأول من القرن العشرين بفعل الصراع العلمي بين المركزية الأوربية المدونة للتاريخ العالمي والمركزية الإفريقية القوية الناشئة .
وجود بعثات آثار أوربية في السودان :سويسرية وايطالية وفرنسية واسبانية وتعمل جميعها في المناطق الأثرية حول النيل شمال السودان تمثل طلائع الألوية العلمية المتقدمة في جبهة المركزية الأوربية؛ في وقت تراجعت فيها الجبهات الإفريقية لحواجز التمويل والتمركز الثقافي . غير ان الحقائق الثابت أقوى من أي تزيف والانجاز الإفريقي العلمي رغم بعده تركت نتائج الأبحاث ودراسات وتحليلات ايريكلوجية بحيث لا يمكن لأوربا التقدم مرة أخرى في هذا الحقل وفي إفريقيا .
معركة الوعي واللاوعي داخل السودان هو الأخر شكل إضافة للصراع ؛ فالسلطة السياسية للدولة السودانية بوعيها الاستعماري المهاجر ؛ وكراهيته لإفريقيا ساندت الجبهة الأوربية ؛ وفي صراع السلطة ضد الشعب عبر حجب الوعي تجفيفا مصادرة أعاقت بشكل أساسي التقدم العلمي وهي ما انعكست سلبا على دراسات الآثار حتى على البعثات الأوربية نفسها .
الأوربيون منذ ظهورهم الحديث كانوا ينطلقون من اعتقاد (أشبه باعتقاد ديني لديهم) ان كل الانجاز الإنساني الحضاري العالمي صنعه الرجل الأبيض ؛ ومنها انجاز العلم الحديث ؛ اختراعه وتطويره وتطبيقه ؛ وحين يثار الحديث عن مصر القديمة بالنسبة لهم تقع ضمن تخوم حضارة البحر المتوسط التي تنتمي إلى منجزات العرق الأبيض.

وهو قول جرد كل الشعوب الأرضية الأخرى من حقها وانجازاتها الحضارية ؛ لكن جردت الأفارقة السود خصوصا من أهم انجاز لديهم هو إنهم المبتدئون للحضارة الإنسانية طرة ؛ وهم مخترعي علومها وثقافاتها بصفتهم ” أول خلق خلقه الله من البشر عاشوا في منبع الأنهر بوسط شرقي القارة ” بحد اعتقد الأسلاف الزنوج كما دونها المؤرخون الأوربيين في أثينا بأقلامهم قبل ألفي عام أوربا القديمة أمينة في التاريخ أكثر من أوربا الحالية .
صحيح لأوربا الحضارية أهداف ؛ فهي قوة استعمارية وتلك تبرر سيطرتها للشعوب الأخرى والسيطرة المادية خلقت ماديتها الحضارية ؛ غير ان السلطة السياسية في السودان بصفتها نتيجة حتمية لمنجزات الاستعمار الأوربي من ناحية وكونها تنظر لنفسها امتداد طبيعي للحضارة العربية الإسلامية السابقة لأوربا في استعمار إفريقيا الشمالية هي الأخرى تبحث عن تبرير لوجودها في القارة عبر نشر اللاوعي العلمي التاريخ في الشعوب الزنجية.

الجبهة الإفريقية تقدمت كثيرا في نفي اللاحقائق واثبات الحقائق العلمية حول الحضارة الإنسانية والتاريخ الإنساني ؛ وتقدمت متحدية كل القوى الاستعمارية الأسيوية والأوربية التي غزت القارة أو هاجرت إلى القارة ؛ وتقدم قائدا لحركة النفي والإثبات العلمي الإفريقي منذ نهاية القرن التاسع عشر أصحاب مدرسة “العودة إلى إفريقيا” في أمريكا الشمالية ؛ البروفسير دبليو أي ديبو ؛ إلى العظماء ايفان سارتيما ودكتور بن جكنان ودكتور هنريك كلارك ؛ غير ان الدكتور انتا ديوب من داخل القارة أشعل النور وحسم المعركة بكتابه الغني “إفريقيا أصل الحضارة : حقيقة أم خيال”.

بعثة عالم الآثار السويسري شارل بونيه كان متقدما جدا في انجازاتها مقارنة ببعثات أخرى في الجبهة الأوربية .
و ما أعلنه شارل بونيه في 2005 ف في التلفزيون السوسيري الخامس بان هناك حضارة اسماها حضارة “كرمة” في شمال السودان وقدرها بعمر بلغ ست الف سنة ؛ واسماها أول الحضارات الأرضية وسابقة لمصر القديمة كانت كذبة أوربية جديدة .
جوان من اعترافات مارتن برنال في كتابه القيم ” بلاك اثنا ” المختصة بفضح أكاذيب أوربا القديمة ؛ كانت كفيلة بان تفضح أيضا الأكاذيب الأوربية الجديدة ؛ بجان أنها لا توجد حضارة “كرمة” كذالك فان شارل بونيه وإعلانه من شانها ان يخلق إشكاليات حقيقية في المستقبل ؛ ولعل ذلك هو الهدف من عمل الجبهة الأوربية.

فمن ناحية ان البعثات الأوربية وأعمالهم الأثرية في السودان لم يكرسوا كبير جهد ليناقشوا قضية جوهرية تتعلق بعرق ولون ملاك الحضارة السودانية في كرمة أم غيرها ؛ وهو الدليل الذي يبرهن ان البعثات الأوربية تعمل من اجل تعزيز العقيدة الأوربية الأولى هو تجريد الشعوب من حقها ؛ أخيرا اعترفت بوجود حضارة سابقة في هذه المنطقة الإفريقية لكن لا تنسبه للعرق الزنجي أصحابها وذلك تخفي العرق الذي أنجزه.
الإشكالية الثانية تحدث البعثة الأوربية عن ما أسمته حضارة “كرمة ” ؛ و”نبتة” ؛ “مروي ” كحضارات سودانية بشكل منفصل وراثيا وانثربيلوجيا عن الحضارة الفرعونية في مصر ؛ كما لو إنهما حضارتنا كل قائمة بذاتها ؛ علما ان الحدود بين البلدين وضعتها أوربا في نهاية القرن التاسع عشر كما وضعت أوربا كل الحدود السياسية بين البلدان الإفريقية ال53. بعد إنهاء استعمارها للقارة . فضلا عن ان أوربا تتحدث عن الاثنين بطريقة بعيدا كل البعد عن الحضارة الكوشية
وفي الحقيقة إنهما انجاز لحضارة واحدة منسوبة لعرق واحد و أنجزه شعب زنجي احد من داخل أرضه التاريخي . وهي تنتمي لكوش
الأعمال الأوربية في شمال السودان تخلق إشكاليات أخرى محلية فهي تنسب تلك الأعمال لمجموعات سكانية تستوطن الأرض في الشمال الحالي ولا تنسبها للعرق الزنجي العام أو العرق النوبي الفرعي بشكل عام ؛ فنسب ” كرمة ” كحضارة أنجزها أسلاف المجموعة السكانية في حلفا ” الحلفاويين ” وحرمت المحس ونسب نبتة إلى ” الدنقليين أو الدناقلة ” ونسب مروي إلى الجماعات المستعربة ” الهاشماب” بالنسب إلى هاشم عربي مهاجر!! ؛ وفي الوقت نفسه تجرد ألأعمال الأوربية غالب المجموعات السكانية من الانتماء للحضارة السودانية “الزنجية” بنفي انتمائها للمكان الذي تسكن فيه حاليا واثبات تحقيق إنها وفدت ؛ تلك تخلق إشكالية حقيقة بالنسبة لها وهي تعايش تلك الإشكاليات حاليا ؛ ولعل الحسابات السياسية هي المترجمة.

الأعمال الأوربية في “كرمة” ؛ تثير إشكاليات إضافية خطيرة فهي تثبت في تجزئتها ان مصر القديمة حضارة أنجزها أمم بيضاء وهذا غير صحيح ؛ وتتمسك مصر التي تمثل تكوين مختلط لعناصر أوربية –أسوية مهاجرة وغازية بعضها خلال ألفي عام ولا تنتمي إلى القارة في الأساس بتلك الرؤية غير الصحيحة . وكميت “مصر” القديمة زنجية ؛ وهي الترجمة حرفية لكلمة “السودان ” أي سواد لون بشرة سكانها ؛ وان تعبير “مصر” نفسها مهاجرة من أسيا ؛ و”ايجبت” من أوربا كما سكانها باستثناء الزنج في الصعيد .

الأعمال الأوربية الأخيرة في “كرمة ” والتقرير الضبابي الركيك للبعثة السويسيرية أتت في سلسلة ردود فعل للأعمال الإفريقية الكبيرة حول حقائق التاريخ والحضارة الإفريقية ؛ ولعل أوربا تحاول ان تعترف بجزء من الحقيقة حين تقول ” انه كانت هناك حضارة في السودان مناظرة وموازية للحضارة التي كانت في مصر القديمة ولكن…تسكت عن العرق ..بعض ان قالت في مصر القديمة أنجزها أناس غير معروفون هذا بعض ان أثبتت تشكك جديد لحقيقة سابقة لها ان المنجز من العرق الأبيض.

حين اثير مسالة الفراعنة السود كانت أوربا تضيف إلى التناقضات والتراجعات ضبابيات جديدة ؛ فهي فصلتهم عمن الزنج الحقيقيين في مصر القديمة وشككت في وجود حضارة زنجية واحدة وهي كوش .

لقد ثبت علميا ؛ وبالدراسات والتحليلات العلمية الانثربيلوجية والاريكلوجية انه لا توجد حضارة منفصلة نمت في الماضي باسم “كرمة “في المنطقة المذكورة في شمال السودان وما تم العثور عليه هي فقط آثار مجزاة تمثل امتداد لحضارة زنجية واحدة في الجنوب ؛ والحالة تنطبق على مصر الفرعونية التي تمثل امتداد للحضارة السوداء.
و الصحيح ان حضارة زنجية واحدة هي الأولى والأقدم عالميا وهي “حضارة كوش” ؛ التي أسسها وأنجزها وبناها الأسلاف الأوائل للأفارقة الحاليين ؛وتعمرت كوش كحضارة بشقيها المادي والثقافي نحو اربعمئة قرن .أي أربعين الف سنة ؛ شكلت مركزيتها ارض واحدة من منبع النهر إلى مصبه ؛ لكن حكمت كل العالم في كل القارات .
وان يكن اسم المناطق مأخوذة من لون بشرة السكان فان إثيوبيا أو كميت أو مروي كانت تعني السودان وتعني النوبة وإفريقيا في الوقت نفسه . وكلها وصف واحد للون الشعب الزنجي الذي أنجزه والذي لا يزال سلالته تعيش بالقارة .
مثلت مروي ضمن العدد من الحواضر محور الحضارة الكوشية التي حكمت العالم القديم ؛ شملت كل المأمورة أوربا ؛ واسيا وأمريكا الشمالية والجنوبية واستراليا ؛ وبدا تلك الحضارة تنحسر منذ ألفي عام بظهور حضارات أممية أسسها أمم غير سوداء تعلمت أساسا من منجز الحضارة السوداء في إثيوبيا أو مروي أو كميت ؛ وحكم العالم الوسيط تلك الأمم متفرقة ؛ ومع نهاية ألألف الثاني من اليوم حكم الرجل الأبيض العالم الحديث لكن سبقه بتدوين التاريخ القديم والوسيط بوعيه التحيزي العنصري في حق كل الشعوب والشعوب السوداء بالأخص .
ظهور كتاب “عالم الإلهة في مروي ” يعد قيمة ومنجز إضافي لا شك بما هية مروي الزنجية الأولى ؛ ومنتظر الاطلاع عليه ؛ قبل الحكم عليه وخاصة انه صادر من روسيا التي لم تصنف لفترة كبيرة إلى أي مركزية خلال فترة التجاذبات العلمية محوري الصراع الأوربي الإفريقي ؛ وقد مثلت روسيا في فترة الاتحاد السوفيتي قطب التحرر استفادت الشعوب السوداء في عالم الجنوب بالذات من الأفكار والمفاهيم التحررية التي ناهضت الامبريالية الأوربية بمسانديها العلمية ؛ ومع ذلك يظل الروس قوم بيض أي ليسوا سود فالتاريخ في منظورهم له مركز ؛ وللحقيقة منطق ؛ وكثيرا ما شكل العلم المنصة للأهداف السياسية والاقتصادية التي أسست للسيطرة وبررت للسيطرة أيضا .

منعم سليمان

كوش الأعلى؛ مستقبل الإثارة في دنيا الآثار
هداء: الى الاصدقاء سفيان نابري ؛ مروان ؛ زكريا

سعاد ؛ واخلاص؛ حنظل ؛ اخلاص ؛ناديا؛ الور ؛ جيكوب

رواد ذلك المساء الرائع

وعي هكسوسي

أثناء حديث صحفي اجري معه بالقرب من مدرج سقارة الأثري جنوب القاهرة في أوت من العام ألفين وثمانية قال السيد فاروق حسني وزير الثقافة المصري ان نحو 200 بعثة أثرية عالمية تعمل في مجال التنقيب في بلاده ؛ و ” اضاف ان ما يوجد تحت ارض مصر من كنوز يفوق تقديرات كل البعثات الأجنبية “.

جاء الحديث لدى شرف إعلان بعثة آثار مصرية الكشف عن هرم جديد مبني من الحجر الجيري في منطقة سقارة ذات الهرم المدرج ؛ وصفها السيد أسامة الشيمي مسئول منطقة سقارة في هيئة الآثار المصرية “بالانجاز العظيم “؛ وأضاف “ان المنطقة لا تزال غنية بالاستكشافات المذهلة ” .بينما اكتفى زاهي حواس بتعبير رومانتيكي درامي “بان الهرم جميل جدا ويبلغ نحو عشرة أمتار” وأكمل بالعامية المحلية ” ولسة الباقي كتير”.

هل لا يزال الكثير من الكنوز الأثرية تحت الأرض في مصر بالفعل ؟ والى أي مدى ستنقل فن الإثارة لدى الإنسان حين يتم اكتشافها كما حدث لدى ظهور الملك الزنجي الشاب توت انخا آمون عام 1923ف على يد الانكليزي هوارد كارتر؟ . إلى أي مدى في التاريخ القديم يتوقع عمر المعثورات من المكتشفات الحديثة في ارض مصر؟ المسئولون المصريون يدفعون الرغبة في الإنسان نحو عامل الذهول بتوقع المزيد وترقب الانتظار للمفاجئات.

بعد عام وفي نوفامبر ألفين وتسع رفع الغطاء في منطقة السقارة ذاتها عن كشف جديد وهي عبارة عن حجرة دفن تضم 30 مومياء تعود إلى الأسرة 26 الفرعونية كما ذكر ؛ وقال زاهي هواس بطريقته المثيرة ” ان التابوت الذي يضم ثلاث مومياء تحتوي على تحف ذهبية لم تمسها يد بشر منذ 2600 سنة ويمكن ان يتبين الكثير عبر الأشعة المقطعية” .

الإثارة لدى حواس

هواس يدير هيئة الآثار المصرية بوزارة الثقافة ؛ ويعتبر ارفع مسئول في قطاع الآثار المصرية ؛ واشتهر بحبه للآثار و بجهوده في التعريف بمصر القديمة والسعي إلى جذب وسائل الإعلام في أعماله ؛ وترغيب السواح لزيارة مصر . ومع انه أمين في نسب كل الآثار في بلاده إلى الحضارات البشرية التي غزت ارض كميت من الاغاريك ؛ والرومان ؛ والروم (من الشعوب الأوربية) . والعرب والترك ( من الشعوب الأسيوية) ؛ والتي جمعها تركت بصمات على هيكل مصر الثقافي الحالي في خلال حقب متفاوته في ألفي عام ؛ إلا ان هواس عرف بمكره الشديد في تجنب الاعتراف بالأصل الزنجي للانجاز الإنساني الذي يسبق تلك الحقب في النيل الأدنى في مصر برغم توفر كافة الأدلة والبراهين العلمية .

لزاهي موقف أخرى ما يصفه الدكتور يورك بعلم المكذوبات (المصريات) حين زار أمريكا على رأس بعثة أثرية مصري في نهاية السبعينيات محملة بالآثار الفرعونية و قدمت شرحا متناقضا أمام الأمريكان حول أصول الفراعنة وهويتهم ؛ وغالب المحتشدين أمريكان من الأصل الإفريقي ؛ ثاروا في وجهه اعترف بحق أسلافهم في صناعة الحضارة وفق الأدلة المنطقية في ارض أسلافهم إفريقيا ؛ في وقت نفسه نفي كلية ان يكون الفراعنة من عرق اسود ونسب سواد اللون للحجر المنحوت . عاش حواس يتحاشى كلية الاعتراف بالأصل الزنجي لحضارة قامت فوق الأرض الإفريقية في ظل عدم وجود دليل على هجرة السود من قارة أخرى.

زاهي حواس هو صاحب الفكرة المهوسة التي صارت في علم المكذوبات (المصريات) ؛ فقد اكتشف هياكل عظمية سوداء قرب الأهرامات فأطلق عليها العمال العبيد الذين بنو الأهرامات !! لمجرد إنهم سود وصفهم بأنهم عبيد وذهب اعتقاده إنهم عمال البناة للأهرامات. لكن حواس بريء من جريمة (إعدام المرميات ) التي وجهها الأمريكان السود له في كتاب حمل الاسم يفسر تاريخ طويل من الإبادة في حق المومياوات الزنجية التي تكتشف باستمرار للفراعنة في مصر فجريمة الإبادة سبقت ظهور حواس على المسرح.

مدرج سقارة الذي يقول عنه الدكتور بن جكنان(Yosef Ben-Jochannan )عالم الإفريقيات (المصريات) لدى زيارته في عام 1984ف انه أول مدرج بني في التاريخ المصري القديم ؛ و بناه مهندس زنجي يدعى امنحوتب قبل 3 ألف سنة في عهد الملك زوسر وهو ملك ضمن الأسرة الرابعة الفرعونية في الدولة القديمة .

اليوم وفي ألفين وتسع منطقة الآثار الأقدم في مصر وصلت حركة كشف فيها إلى مدافن الأسرة 26 الفرعونية وهي تنتمي إلى الأوقات المتأخرة في الدولة الحديثة ؛ وكان متوقع ان مدافن الأسر الأخيرة في الدولة الفرعونية الحديثة تكون في مناطق طيبة وتل العمارنة وأبو سمبل حيث شهدت العهود الأخيرة للدولة الانتقال إلى الجهات الدنيا اثر الهجمات المتكرر من الشعوب (الهكسوس) الأجانب البيض من الاسويين والأوربيين.

والأسرة 26 هي التالية للأسرة 25 من الزنج المرويين وقد قدم ملكها بعانقي للمرة العاشرة لتحرير الأرض الشمالية من الهكسوس وطردهم . يحسب في الاعتبار المرة الأولى في تحرير الجنوب للفرعون نعرمر مؤسس الحكم الفرعوني . خلف بانجي حفيده العظيم طرهاقا الذي قوية كوش في عهده حتى حكم الملوك الزنج كل أسيا الغربية .

ليست من المرجح ان تكون العائلة 26 بيضاء أي هكسوسية ؛ لكنها بلا شك تلك إنها العهود المتأخرة في سيرة كوش الحضارة العالمية الكبرى في العالم القديم . ومن المؤكد ان هرم سقارة نفسه مقاسا بتاريخ كوش الإثيوبية/السودانية متأخر أيضا.

وتنقسم الدولة الفرعونية في كيمت التي أسسها الزنجي الأول نعرمرNarmer في 3200 ق.ف . وبحسب الاب مانيتون البلطي المؤرخ الروماني ( هو مؤلف كتاب أسس لعلم المصريات احترق الكتاب في مكتبة الإسكندرية ) يقسم تاريخ النيل الأدنى إلى ثلاث حقب الدولة القديمة من الأسرة الأولى إلى الحادي عشر ؛والدولة الوسطى أسسها منتوحتب الثاني في عام 2026 ق .ف .من الثانية عشر إلى السابعة عشر . والدولة الحديثة أسسها أحمس 1550 ق. ف وهو محارب الهكسوس الاسويين؛ استمرت الدولة من الثامنة عشر إلى الثلاثين .

إنها حضارة واحدة

وان ثبت ان مروية الأسبق والأقدم جنوبا حكمتها عائلات منفصلة عن الملوك الذين حكموا ممنف ؛ وطيبة وتل العمارنة في النيل الأدنى حتى مصب النهر فقد ثبت أيضا ان ملوك هذه الدويلات ينحدرون جميعا من عرق /زنجي/نوبي/ إثيوبي/ سوداني/ إفريقي واحد في جغرافية لم تعرف الحدود التي وضعتها أقوام أوربية استعمروا القارة في القرن العشرين إنها كوش ارض واحدة في إفريقيا اليوم ؛ حضارة واحدة هي الأقدم ؛ شعبها واحد إنهم السودان .

مسئولي الآثار في مصر اليوم غير مهتمين بقضية هي تهمنا جدا وهي عرق الفراعنة الذين يصارعون في اكتشافهم وينبهرون فيما يعتقدونه مثير للعالم السائح . إنهم ليسوا أجدادهم فهم يعرفون ذلك جيدا؛ و يجب ان يعرفه أحفادهم الزنوج السودان كما لا نعرفهم نحن أيضا جيدا .

النيل الأرض ما حوله كانت وحدة جغرافية واحدة لم تكن حولها فواصل سياسية كما يوم ما يعني الاتصال الوارثي لصانعي الأحداث السياسية والثقافية قبل آلاف السنوات . هي نقطة أيضا مصر اليوم (وهي تجمع بشري مهاجر أسيوي أوربي مختلط صهرا ) غير مستعدة لمناقشتها برغم من أخلاقية المسالة في عمق حساسيتها .

بمعنى انه في الوقت الذي تنصب فيها مصر الحالية ( أو خلاصة اتحاد خدم الهكسوس ) المنجزات الحضارية الإغريقية والرومانية وما تلاهما إلى أصحابها من الشعوب العرقية الغازية لشمال الوادي تضرب صمتا رهيبا على ما قبل غزوات تلك الشعوب البيضاء للأرض . وتسعى في محاولة جادة منها لتغطية -دون ستر علمي -الأصل الزنجي لكميت التي عرفت مؤخرا باسم مصر ( وهي كلمة توراتية لقرية عبرانية في تخوم أسيا قبل الألف الثالث للإفرنجي) عممت على ارض كميت.

حقائق جديدة تساعد مسعى كشف الزنوج داخل القارة عن إسلافهم ؛ ساعد في تحصيلها زنوج خارج القارة عن أسلافهم أيضا ؛تلك الحقائق وتضع استفهامات مستقيمة في تصريحات المسئولين المصرين الذين ينتشون للإثارة في الكشوفات والكشوفات اللاحقة دون هدف إنساني ؛ فقط لكونها تدر دخلا سياحيا وفير ليس لقيمتها العلمية بالطبع أو لقيمتها الروحية لمن كان أسلافهم عنصر انجازها.

لم يمر على مؤلف البروفسير وليم ادوارد بورقارد دي بوس W.E B. Du Bois 1868 – 1963)) وهو أول أمريكي منحدر من عرق اسود يحصل على درجة الدكتوراه في جامعة هارفرد ويتخصص في التاريخ عام 1895ف ووضع مؤلفه ( زنوج فلاديلفيا ) التالي (لأرواح القوم السود) . لم يمر على ظهور مؤلفه قرن فقد جاء البروفسير ايفان فان سارتيما (Ivan Van Sertima 1935 – 2009))بكتابه التي قلبت ظهر الحقائق التاريخية كلية ” جاؤوا إلى هنا قبل كولمبوس(They Came Before Columbus) ” في عام 1976ف . ولحسابات دكتور ايفان فان وصول الزنج الأوائل إلى أمريكا الشمالية والوسطى لم يكن سوى قبل الألف الخامس عشر لظهور التاريخ الإفرنجي ؛ وبالتأكيد لم يأتوا من مصر الفرعونية لكن من قارة إفريقيا بالطبع . وايفان هو صاحب مجلة ال حضارة الإفريقية . Journal of African Civilizations التي نشر فيها مقالات صارت كتب عن الأفارقة في كل من أسيا القديمة وأوربا القديمة .

في مؤتمر منظمة الأمم المتحد للعلوم والتربية الثقافة (اليونسكوا) المنعقد في الثمانينيات بهدف حسم الجدل حول أيلولة الحضارة الفرعونية في ظل تقديم العلماء السود أدلتهم وبراهينهم قال الدكتور فان سارتيما “هذا ما يجعلني اغضب” فقد طلب اليونسكو إرجاء القضية إلى حين توفر أدلة كافية في وقت لم تتقدم أي امة في الأرض بإعلان ان أسلافها هم الذين بنوا أهرامات مصر وتركوا آثارها ؛ موقف اليونسكو غير المنصف و المنحاز للبيض ما يجعلنا نغضب أيضا .

لا يقل غنا كتاب دكتور الفريدو يوسف بن جكنان ( رجل نهر النيل وعائلته ؛ (Black Man of the Nile and His Family).

علم الجيولوجيا وعمر الأرض

على آية حال حقائق علمية أثرية وجيولوجية إضافية في القرن العشرين تقدح في مصداقية مسئولي الآثار المصريين الحديثين من ناحيتين : الأولى استمرار الكشف من اجل العثور على مدافن جديدة في مصر ؛ والثانية اقدمية تلك المكشوفات اللاحقة بحيث ان تكون الأقدم في الأرض.

بالقاهرة وخلال هذا الصيف جمعني حديث مقتضب مع مروان وهو طالب ماجستير سوداني في دراسات الثار بفينا عاصمة النمسا ؛ قدم محاضرته الأولى في علم الآثار السودانية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة ضمن مناشط النشطاء والمنظمات المدنية السودانية . بالرغم من إنها قصيرة لكنها كانت مفيدة جدا .

تقول حقائق الأبحاث العلمية رواية عن البعثات الأثرية العاملة في مصر انه وبحلول الألفية الثالثة نحو 99 % من الأرضي المصرية خضعت التنقيب الأثري واكتشفت فيها بحيث لم يتبقى منها ما يحفز على الاستمرار أو يتوقع اكتشاف ما يشبع نهم الإثارة . سوف لن تشبع تلك الإثارة التي ينتظرها زاهي حواس .

ومع إنها آثار زنجية ؛ إلا انه ومن المعلوم انه لم يتم اكتشاف أي رمز اثري في مصر – طوال تاريخ الكشف الأثري بيد البعثات الأجنبية والمحلية منذ نحو قرن ونصف – يقع تاريخ صناعته قبل العام 3200 قبل بداية التاريخ الإفرنجي. وهو العام الذي أسس فيها الزنجي نعرمر أو مينا أو أبا الدولة الفرعونية في الشمال الأدنى تحت تاج الكوبرا؛ وهو مؤسس الأسرة الأولى في الدولة القديمة. ولم يتحقق نشوة الهكسوس في الإثارة.

خلال العمل الدراسي لإنشاء خزان أسوان في خمسينيات القرن الماضي خرجت الدراسات الجيولوجية عن ارض مصر لتظهر حقائق عميقة دللت على حداثة الحضارة في مصر عن السودان بشكل واضح . صحيح دعمت تلك الدراسات الخرائط الجيولوجية التي أعدتها جهات مصرية وأجنبية أخرى عاملة في مجال التعدين والتنقيب عن معادن أخرى بالدولة المصرية في كل الصحاري والأرضي بعيدة عن النهر ؛ وكانت النتيجة مشابهة ..

النتيجة انه لم تكن تربة كميت ؛ أو مصر( الكلمة التوراتية قبل 3 ألف سنة) ارض صالحة للسكن البشري قبل الألف العاشر قبل بداية التاريخ الإفرنجي ؛ وهكذا تقول التحاليل مستندة على ما قدمتها الخرائط الجيولوجية عن طبقات الأرض و دراسات عن التربة مؤرخة تاريخ أقدم المجموعات التي سكنت الأرض ما بعد ذلك . خلال الآلاف السبعة الأخيرة قبل التاريخ الإفرنجي تمكن النيل من نقل القرين من منابعه في قلب إفريقيا العليا ليجعل الأرض السفلى شمالا حول ضفتيه المنتهية إلى المصب في البحر صالحة للزراعة والرعي وبالتالي صالح لسكون الإنسان .

أول من سكن ارض مصر هم المهاجرون الاثيوبين بالتعبير الإغريقي لدى “هيردوت” للترجمة العربية “السودانيون” ذو البشرة المحروقة ؛ أو الزنج النوبيون من ارض الجواهر والذهب . وهي أول المجموعات البشري التي استانثت الحيوان في الألف الثلاثين ؛ واخترعت الزراعة في الحياة ؛ وتلك أضخم منجز لدى حضارة كوش .

ولكونهم قدموا من الجنوب مع النهر من منبعه نحو مصبه جاء في كلمة برديات هونيفر في ترجمته ل” كتاب الموتى” عن المصريين القدامى ” قول السلف الأول للزنج المصريين :

نحن جئنا من بداية النيل حيث توجد مساكن الإله هابى ، في سفح جبال القمر”

لم يكن قدومهم مباشرة من منابع النيل بالطبع فهم “جالية إثيوبية /سودانية” بتعرف الدكتور بن جكنان في ” رجل واحد في وادي النيل وعائلته ” من مروي .

وكتاب الموتى هو أعظم مدونة فلسفية ؛ و سفر روحي غني مثل مرجع العقائد للأديان الأرضية الأخرى المتعارف عليها اليوم –بالتقريب – في أسيا وأوربا.

كوش و مستقبل الإثارة الأثرية

الأراضي الواسعة التي تقع جنوب مصر والتي يمر بها أطول نهرين في العالم ما عرف لاحقا بالسودان الحالي فالي تاريخ الألف الثالث من التاريخ الإفرنجي تقول التقارير الأثرية ان “نحو 12 % فقط من أرضيه خضعت للبحث الأثري والتنقيب ” والحديث لمروان طالب الماجستير في محاضرة ألقاها بالجامعة الأمريكية بالقاهرة نقلا عن البعثات الأثرية التي تعمل في كرمة ومروي ونبتة في السودان؛ وهذا ما يعني ان ثمة مستقبل سوداني حافل بالاكتشافات الأثرية والمفاجآت العلمية التي ستقلب التاريخ رأسا على عقب ؛ كما أراده “شارل بونيه” عالم الآثار السويسري في كرمة -بتحفظ -حول اعتقاده الحضاري في بلادنا.

مروان يرتب الحضارات السوداء في السودان الشمالي تصاعديا أي من كرمة إلى مروي مرورا بنتبة وفق خارطة المركزية الأوربية للحضارة لافريقية على لسان بونيه ؛ وهي المسالة التي لا تتفق مع التقرير التاريخي للحضارات أي ان الحضارات لا تذهب متطورة عكس مجرى الأنهر بل تنازلي ؛ وهي دائما أي الحضارات تنشا حول مجرى الأنهر من منبعها إلى مصبها هذه في الحضارات المتأخرة حول دجلة والفرات ؛ أو ألامزون ؛ أو حول نهر السيهانجهو.

لقد حاولت التوفيق بين ما ذهب إليه مروان في هذا الترتيب وبين رؤية البروفسيريين بن جكنان والدكتور انتا ديوب في كتابه ” إفريقيا أصل الحضارة : حقيقة أم خيال ” فقد قلت انه ربما يكون هناك حضارتين ومروريتين : الأولى منذ الألف الأربعين قبل التاريخ الإفرنجي ؛ والثانية قبل الألف الرابع كما في تقرير مروان. لكن هذا التوفيق لم يكتب له النجاح .

غير ان مذهب مروان في إعطاء الأولية البحث العلمي الذي يثبت الحقائق ؛ ويجلي المواقف بأدلة علمية . ومطالبته بإعطاء علم الآثار المزيد من الجهد والوقت والاهتمام في السودان الحالي بتقدير تمويل وتسهيل له هي التي تقرر عن الحقيقة التي تظهر أجزاء قليلة منها جدا ما يدفعنا إلى الطمع في معرفة كلها بشغف.

مصر القديمة تقع في سياق الدراسة التاريخية لحضارة كوش التي قامت على وادي النيل قبل الألف الأربعين من السنوات ؛ ومصر امتداد لأجزاء كوش المتأخرة الواقعة في نطاق الجزء الأسفل لنهر النيل ؛ وكوش الدولة في خضم الحضارة تضم كل الأراضي حتى منابعه في الهضاب الإثيوبية وغربها إلى تشاد ؛ وجنوبها إلى جبال القمر . أما الرقعة السفلى لحضارة النوبة فتضم مصر وشمال السودان “كوحدة واحدة لا تعرف الحدود الجغرافية ” . وجميعها أتت في متتابعة في التأخر .

تلك المنطقة الصغيرة جدا حول مجرى النيل الشمالي هي التي خضعت للبحث والتنقيب من قبل البعثات العلمية الأوربية لكونها اسبق الأرضي الإفريقية التي خضعت للاستعمار الأسيوي الأوربي منذ المائة الثالث قبل بداية التاريخ الإفرنجي من بوابة الهكسوس في (مصر) وشمال السودان.

لا تزال الأراضي الإفريقية التي مثلت منصة حضارة كوش الأولى لم تتبع بالبحث الأثري والتدقيق حتى ” جبال القمر حيث موطن الإله هابي” والذي فسر إنها جبال لكلمنجارو في كينيا حيث المنبع الأعلى لأحد أفرع نهر النيل .والى طريق حورس الحربي غير المعروف ؛ و مراكب الشمس المخزنة غير المعروف مكانها ؛ وكنوز حتشبسوت في بلاد بونت التي لم يؤثر عليها .

غير إننا في السودان الغربي والجنوبي في حاجة إلى علماء آثار لإنشاء بعثات متخصصة لتقيم ما عثر عليه في سلبقتا وفاشا مثلا في غرب السودان ؛ والتنقيب والبحث عن الكثير من الأماكن والمدافن والمعابد الأثرية المزينة بالنقوش في الجبال والأماكن الأثرية الأخرى. وهذا ما ينتظر ضمن 88 % من مساحة الأرضي السودانية البكرة في عالم التنقيب ودراسات الاركيلوجيا.

منعم سليمان عطرون

Leave a Reply